ليست كل الأسماء التي ترد في البلاغات الرسمية تُذكر بالقدر نفسه من الدلالة. فهناك أسماء تُستحضر باعتبارها جزءاً من المشهد، وأخرى يُراد من حضورها أن يفتح باباً للنقاش حول المسؤولية، حتى وإن لم يكن ذلك مقروناً باتهام قانوني مباشر. ومن هنا يبرز السؤال الذي أثار اهتمام المتابعين بعد بلاغ الجامعة الملكية المغربية للكيك بوكسينغ والمواي طاي والسافات والرياضات المماثلة عقب جمعها العام غير العادي المنعقد يوم 27 يونيو 2026: لماذا اختارت الجامعة أن تذكر بالاسم إدريس الهلالي، رئيس الجامعة الملكية المغربية للتايكواندو، رغم أن البلاغ نفسه أكد أن تحديد المسؤوليات يبقى من اختصاص القضاء والإدارة؟
السؤال لا يتعلق بشخص إدريس الهلالي في حد ذاته، بقدر ما يتعلق بالدلالة القانونية والمؤسساتية لإيراد اسم رئيس جامعة رياضية أخرى داخل بلاغ يصدر عن مؤسسة تعيش أزمة تنظيمية حادة. فالبلاغ، من الناحية التحريرية، لم يكتف بوصف ما وقع داخل القاعة، بل وسّع دائرة الحدث ليشمل فاعلين من خارج البنية التنظيمية للجامعة، وهو ما يجعل ذكر الاسم يحمل رسالة تتجاوز مجرد السرد الزمني للأحداث.
من توصيف الوقائع إلى بناء رواية رسمية
إذا تمت قراءة البلاغ بعين قانونية، يتبين أن الجامعة استخدمت صياغة شديدة الحذر. فهي لم تقل إن رئيس جامعة التايكواندو ارتكب فعلاً مجرماً، ولم تنسب إليه مسؤولية قانونية ثابتة، بل ذكرت أنه “تدخل إلى جانب الأشخاص الذين أوقفوا أشغال الجمع”، ثم أتبعت ذلك مباشرة بعبارة مفصلية مفادها أن تحديد المسؤوليات يبقى من اختصاص الجهات القضائية والإدارية المختصة بناء على ما سيعرض عليها من معطيات وأدلة.
هذه الصياغة ليست تفصيلاً لغوياً، بل تمثل ما يعرف قانونياً بالتحفظ المؤسساتي، حيث يتم الفصل بين رواية الوقائع كما تراها الجهة المصدرة للبلاغ وبين إثبات المسؤولية الذي يبقى حصراً بيد القضاء.
وبذلك، يبدو أن الجامعة أرادت أن تُثبت في وثيقة رسمية أن حضور رئيس جامعة التايكواندو – بحسب روايتها – لم يكن حضوراً عادياً، بل حضوراً اعتبرته مؤثراً في مجريات الجمع، دون أن تنتقل إلى مستوى الاتهام القضائي.
لماذا إدريس الهلالي تحديداً؟
من الناحية المؤسساتية، يشغل إدريس الهلالي موقعاً يتجاوز رئاسة جامعة رياضية واحدة، إذ يُعد من أبرز الوجوه داخل منظومة تدبير الرياضة الوطنية، وراكم حضوراً لسنوات داخل الهياكل الرياضية الوطنية والقارية والدولية.
ولهذا فإن مجرد ورود اسمه في بلاغ رسمي لا يُقرأ باعتباره خبراً عادياً، وإنما باعتباره رسالة سياسية ورياضية مفادها أن الجامعة ترى أن ما وقع لم يكن خلافاً داخلياً صرفاً بين أعضاء مكتبها، وإنما حدث شاركت فيه شخصيات من خارجها.
وهنا تظهر أهمية الصياغة التي اعتمدها البلاغ؛ فهو لم يكتف بالحديث عن “أشخاص”، بل انتقل إلى تسمية شخصية معروفة داخل المشهد الرياضي المغربي، وهو ما يمنح الرواية الرسمية ثقلاً أكبر أمام الرأي العام، وفي الوقت نفسه يفتح الباب أمام صاحب الاسم المعني لممارسة حقه الكامل في الرد أو التوضيح أو اللجوء إلى القضاء إذا اعتبر أن البلاغ مسّ بحقوقه أو بسمعته.
هل يحمل البلاغ إدريس الهلالي مسؤولية بطريقة غير مباشرة؟
من الناحية التحليلية، يمكن القول إن البلاغ يوحي بذلك سياسياً، لكنه لا يقرره قانونياً.
فالفرق بين الأمرين جوهري.
فالبلاغ عندما يربط بين:
-
توقف أشغال الجمع؛
-
اقتحام المنصة؛
-
مغادرة ممثلي الوزارة واللجنة الأولمبية؛
-
ثم يشير إلى تدخل رئيس جامعة التايكواندو أثناء تلك الأحداث،
فإنه يبني في ذهن القارئ تسلسلاً منطقياً قد يُفهم منه وجود علاقة بين هذه الوقائع.
غير أن الجامعة تعود في الفقرة نفسها تقريباً لتضع قيداً قانونياً واضحاً، عندما تؤكد أن القضاء وحده هو من يحدد المسؤوليات.
وهذا الأسلوب معروف في البلاغات القانونية الحساسة، حيث تُعرض الوقائع من زاوية الجهة المصدرة، مع تجنب إصدار أحكام نهائية.
لماذا لم يتحدث البلاغ عن “اتهام”؟
لأن استعمال كلمة “اتهام” يحمل آثاراً قانونية كبيرة.
فالجامعة، على الأرجح، تدرك أن القانون المغربي، كما المبادئ العامة لحماية السمعة وقرينة البراءة، يفرض الحذر في نسبة أفعال إلى أشخاص قبل صدور أحكام قضائية.
لذلك نجد البلاغ يعتمد ألفاظاً مثل:
-
“تثير تساؤلات”.
-
“بحسب المعاينات”.
-
“وفق الشهادات”.
-
“سيتم عرض الأدلة على الجهات المختصة”.
وهي كلها تعبيرات تُستخدم عندما تريد المؤسسة تسجيل موقفها دون تجاوز حدود الاختصاص القضائي.
هل كان لذكر الاسم هدف آخر؟
من زاوية الاتصال المؤسساتي، يبدو أن الجامعة أرادت أيضاً أن تبرهن للرأي العام أن ما وقع، وفق روايتها، لم يكن مجرد خلاف داخلي بين أعضاء مكتب مستقيلين، بل أزمة أوسع شاركت فيها شخصيات ذات وزن داخل الوسط الرياضي.
ففي إدارة الأزمات، تلجأ المؤسسات أحياناً إلى توسيع إطار تفسير الحدث حتى تفسر للرأي العام أسباب فشل اجتماع أو توقف مسار تنظيمي.
ومن هنا، يصبح ذكر شخصية معروفة جزءاً من بناء الرواية الرسمية للأحداث، وليس بالضرورة إعلاناً عن مسؤولية قانونية.
ماذا يقول القانون؟
في القانون، لا يكفي ذكر الاسم داخل بلاغ رسمي لترتيب أي مسؤولية.
فالمسؤولية لا تُبنى على البلاغات، بل على:
-
محاضر الضابطة القضائية؛
-
التسجيلات إن وجدت؛
-
شهادات الحاضرين؛
-
تقارير المفوضين القضائيين؛
-
وما قد تتوصل إليه النيابة العامة أو الجهات الإدارية المختصة.



