🚨 جامعة الكيك بوكسينغ في قلب العاصفة… اتهامات بـ”التشويش” ولجنة المستقيلين تطالب بفتح تحقيق شامل

0
28

عندما يتحول الجمع العام إلى ساحة صراع… ماذا تكشف أزمة جامعة الكيك بوكسينغ عن مستقبل الحكامة الرياضية بالمغرب؟

لم يعد الجدل الذي أعقب توقيف أشغال الجمع العام غير العادي للجامعة الملكية المغربية لرياضات الكيك بوكسينغ، المواي طاي، الصافات والرياضات المماثلة، مجرد خلاف داخلي بين أعضاء مكتب مسير ومعارضيه، بل تحول إلى مرآة تعكس إحدى أكثر الإشكالات تعقيداً في تدبير الجامعات الرياضية المغربية؛ وهي العلاقة بين الشرعية القانونية، والشرعية الديمقراطية، وثقة القاعدة الرياضية في مؤسساتها.

فالحدث، الذي انتهى بانسحاب ممثلي وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة واللجنة الوطنية الأولمبية المغربية قبل استكمال الأشغال، لم يطرح فقط أسئلة حول قانونية الإجراءات التنظيمية أو سلامة مسطرة الدعوة، وإنما أعاد إلى الواجهة سؤالاً أكبر يتعلق بقدرة المؤسسات الرياضية على تدبير خلافاتها داخل الأطر القانونية، بعيداً عن منطق الاصطفاف والتصعيد الذي أصبحت تشهده عدة جامعات رياضية خلال السنوات الأخيرة.

وبين رواية المكتب المديري، التي تعتبر أن ما وقع كان محاولة لتشويش متعمد استهدفت إفشال انعقاد الجمع العام وتعطيل برنامجه، ورواية لجنة الأعضاء المستقيلين، التي تتحدث عن خروقات قانونية وتنظيمية تمس جوهر العملية الديمقراطية، يجد الرأي العام الرياضي نفسه أمام روايتين متعارضتين، لا يمكن الحسم في صحتهما إلا عبر المؤسسات المخول لها قانوناً مراقبة مدى احترام النصوص التنظيمية واتخاذ ما يلزم من قرارات.

غير أن ما يستحق التوقف عنده لا يكمن فقط في تفاصيل هذا النزاع، بل في الخلفية التي أنتجته.

فالجامعة الرياضية ليست مجرد هيئة تنظم البطولات أو تمنح التراخيص للأندية، بل تمثل المؤسسة التي تدير منظومة كاملة تضم آلاف الممارسين، والمدربين، والحكام، والجمعيات الرياضية، والمنظمين، والمستثمرين في المجال الرياضي. وأي اضطراب يصيب بنيتها الإدارية أو القانونية ينعكس مباشرة على دورة النشاط الرياضي برمتها.

فعشرات الجمعيات تعتمد في استمراريتها على برامج الجامعة، وعلى تنظيم البطولات، ومنح الرخص، وتأهيل المدربين والحكام، واعتماد الأندية للمشاركة في المنافسات الوطنية والدولية. كما أن مئات المدربين يجعلون من التدريب مورداً رئيسياً للعيش، فيما ترتبط مصالح الرياضيين بمواعيد البطولات الوطنية المؤهلة للاستحقاقات القارية والدولية.

ومن هنا، فإن أي أزمة مؤسساتية لا تبقى شأناً داخلياً بين أعضاء مكتب جامعي، وإنما تتحول إلى أزمة تمس الأمن الرياضي والاجتماعي لقطاع كامل يعيش أصلاً تحديات مالية وتنظيمية متراكمة.

وتبرز أهمية هذه القضية أيضاً بالنظر إلى الإطار القانوني الذي يحكم الجامعات الرياضية بالمغرب، والذي يقوم على مقتضيات القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة، وما يرتبط به من أنظمة أساسية داخلية، فضلاً عن مبادئ الحكامة الجيدة التي تشدد عليها التوجيهات الوطنية والميثاق الأولمبي والمعايير الدولية لتسيير الهيئات الرياضية.

وتقوم هذه المنظومة على مبادئ أساسية، من بينها وضوح مساطر الدعوة إلى الجموع العامة، والمساواة بين الجمعيات المنخرطة، وشفافية لوائح الحضور، واحترام آجال التبليغ، وضمان حق المشاركة والتصويت وفق الشروط القانونية، مع توفير بيئة تنظيمية تسمح بممارسة الديمقراطية الداخلية دون تأثير أو إقصاء.

وفي هذا السياق، تثير الاتهامات المتبادلة التي صاحبت الجمع العام عدة أسئلة قانونية، من بينها مدى مطابقة إجراءات الدعوة للنظام الأساسي، وكيفية معالجة أي أخطاء محتملة في البلاغات الرسمية، ومدى قانونية مشاركة الجمعيات أو استبعادها، وهي مسائل لا يمكن الفصل فيها عبر البلاغات الإعلامية أو شبكات التواصل الاجتماعي، وإنما من خلال الوثائق الرسمية، ومحاضر الاجتماعات، والجهات المختصة بالمراقبة أو القضاء عند الاقتضاء.

ومن زاوية أخرى، فإن انسحاب ممثلي الوزارة واللجنة الوطنية الأولمبية المغربية خلال أشغال الجمع العام يحمل دلالة مؤسساتية تتجاوز تفاصيل الخلاف ذاته. فوجود ممثلي السلطتين الوصية والأولمبية داخل مثل هذه الاجتماعات يهدف أساساً إلى مواكبة احترام المساطر وضمان السير العادي للأشغال، وعندما يتعذر استمرار الاجتماع في ظروف طبيعية، فإن ذلك يعكس حجم الاحتقان الذي بلغته الأزمة، دون أن يشكل في حد ذاته حكماً نهائياً على مسؤولية أي طرف.

كما أن لجوء الأطراف إلى إصدار بيانات متقابلة مباشرة بعد الواقعة يعكس انتقال النزاع من الفضاء المؤسساتي إلى الفضاء الإعلامي، وهو مسار أصبح يتكرر في عدد من النزاعات الرياضية، حيث تتحول صفحات التواصل الاجتماعي إلى ساحات موازية لتبادل الاتهامات، في وقت تبقى فيه الحقيقة القانونية رهينة التحقيقات أو القرارات الرسمية.

لكن أخطر ما تكشفه هذه الأزمة هو هشاشة الثقافة المؤسساتية داخل جزء من المنظومة الرياضية.

ففي الدول التي نجحت في بناء حكامة رياضية مستقرة، لا تتحول الخلافات حول تفسير مادة قانونية أو أهلية جمعية للمشاركة إلى مواجهات تعطل الجموع العامة، لأن المؤسسات هناك تعتمد آليات واضحة للوساطة، والطعون، والتحكيم الداخلي، قبل الوصول إلى مرحلة الانقسام.

أما حين يصبح كل استحقاق انتخابي مناسبة لتبادل الاتهامات والتشكيك في الشرعية، فإن الأزمة لا تعود مرتبطة بأشخاص بعينهم، بل بثقافة تدبير لم تنجح بعد في ترسيخ الثقة بين مختلف الفاعلين.

ولا يقتصر تأثير هذا الوضع على الجامعة المعنية وحدها، بل يمتد إلى صورة الرياضات القتالية المغربية ككل، خاصة في ظل الحضور الدولي المتزايد للمغرب في تنظيم البطولات واستضافة التظاهرات الرياضية الكبرى، وسعيه إلى تعزيز مكانته كوجهة رياضية إقليمية وقارية. فالمستثمرون والشركاء والرعاة والاتحادات الدولية يراقبون كذلك مستوى الاستقرار المؤسساتي، باعتباره أحد المؤشرات الأساسية على جودة الحكامة.

وفي المقابل، فإن معالجة مثل هذه الأزمات لا ينبغي أن تتم بمنطق المنتصر والمهزوم، لأن الخاسر الأول يظل دائماً هو الرياضي، والمدرب، والجمعية، وكل من ينتظر من الجامعة أن تؤدي وظيفتها الأساسية في تطوير الرياضة، لا الانشغال بصراعاتها الداخلية.

ويبقى الرهان الحقيقي اليوم هو أن تتم معالجة مختلف الادعاءات، سواء تلك الصادرة عن المكتب المديري أو عن لجنة الأعضاء المستقيلين، عبر الآليات القانونية والمؤسسات المختصة، بما يضمن احترام حقوق جميع الأطراف، ويعيد الثقة إلى المنخرطين والرأي العام الرياضي.

فالجامعات الرياضية لا تُقاس فقط بعدد البطولات التي تنظمها أو الميداليات التي تحققها، وإنما بقدرتها على إدارة الاختلاف وفق قواعد القانون، وعلى تحويل التنافس الانتخابي إلى ممارسة ديمقراطية ناضجة، لا إلى مصدر دائم للأزمات.

ولعل السؤال الأعمق الذي تفرضه هذه الواقعة لا يتعلق بمن كان على صواب أو بمن يتحمل المسؤولية، فذلك شأن المؤسسات المختصة، وإنما يتعلق بمدى استعداد الرياضة المغربية للانتقال من شرعية الأشخاص إلى شرعية المؤسسات، ومن إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء منظومة حكامة تمنع نشوء الأزمات من الأصل. فحين تصبح القوانين محل إجماع، والإجراءات محل ثقة، والشفافية ثقافة راسخة لا مجرد شعار، عندها فقط تتحول الجامعة الرياضية إلى مؤسسة تقود التنمية الرياضية، بدلاً من أن تصبح هي نفسها موضوعاً للأزمة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا