حين تُدار الرياضة بالانفراد تُولد الأزمات: أزمة الكيك بوكسينغ بالمغرب تختبر حدود الحكامة بين القانون والسلطة والتسيير

0
43

تتواصل أزمة الجامعة الملكية للكيك بوكسينغ في المغرب، في سياق يتجاوز الطابع الإداري العابر نحو اختبار حقيقي لمنظومة الحكامة داخل جزء حساس من الجسم الرياضي الوطني، حيث تتقاطع الرياضة مع التدبير، وتتشابك القرارات مع تداعياتها على مسار رياضيين وجيل كامل يرى في الحلبة أفقاً اجتماعياً بديلاً.

في هذا السياق، تحركت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بطلب توضيحات رسمية من الجامعة، حيث تم توجيه مراسلة وزارية في هذا الشأن يوم 23 أبريل. على خلفية استقالات جماعية داخل مكتبها المديري، وهي خطوة تعكس حجم الاضطراب الذي بدأ يطفو إلى السطح بشكل متسارع. هذه المراسلة لم تأت في فراغ، بل جاءت بعد مؤشرات متتالية عن تعثر في التسيير، وتوقف أو ارتباك في بعض المساطر التنظيمية، ما فتح باب التساؤل حول مدى استمرارية المؤسسة في أداء وظائفها وفق الإطار القانوني المؤطر لها.

اللافت في هذا الملف أن الأزمة لم تعد محصورة في اختلافات داخلية عابرة، بل اتخذت شكل استقالات وُصفت بالجماعية، حيث برر عدد من الأعضاء المغادرين قرارهم بوجود اختلالات مرتبطة بالحكامة، وبممارسات اعتُبرت من طرفهم بعيدة عن منطق الشفافية والتدبير الجماعي. وتفيد معطيات متداولة داخل الوسط الرياضي أن هذه الانتقادات تركزت حول قرارات انفرادية، شملت تعيينات داخل لجان تقنية، وتدبير تعاقدات، إضافة إلى عمليات مالية لم يتم عرضها أو توثيقها داخل أجهزة التسيير الرسمية كما يقتضيه النظام الداخلي.

هذه التطورات ساهمت في تعميق الجدل حول طبيعة التسيير داخل الجامعة، وأعادت إلى الواجهة سؤالاً أكبر من الأشخاص والمواقع، يتعلق ببنية القرار الرياضي نفسه: هل يتم وفق مؤسسات قوية وقواعد شفافة، أم وفق توازنات شخصية ظرفية تتغير بتغير المواقع؟

وزارة الرياضة، من جهتها، استندت في مراسلتها إلى مقتضيات قانونية واضحة، من بينها المادة 22 من النظام الأساسي، التي تنص على ضرورة عقد جمع عام غير عادي في حالة الشغور داخل المكتب المديري، بما يتيح إما إعادة تشكيل القيادة أو تعيين لجنة مؤقتة لتصريف الأعمال والإعداد لانتخابات جديدة. غير أن الواقع الحالي، بحسب ما تشير إليه المعطيات المتوفرة، ما يزال مطبوعاً بحالة من الجمود، في ظل غياب بلاغ رسمي واضح يوضح مسار التعامل مع هذا الشغور.

هذا الوضع القانوني المعلق يطرح إشكالاً مضاعفاً: إشكال احترام النصوص التنظيمية من جهة، وإشكال استمرارية الأنشطة الرياضية في ظل غياب وضوح مؤسساتي من جهة أخرى، وهو ما يجعل بعض الفاعلين يتساءلون عن مدى مشروعية استمرار تنظيم المنافسات في ظل هذا الارتباك الإداري، وانعكاس ذلك على صورة الجامعة ومصداقيتها لدى الرياضيين والشركاء.

لكن خلف هذا المشهد الإداري، تبرز طبقة أعمق من النقاش، تتجاوز الأزمة الظرفية لتلامس بنية العلاقة بين الرياضة والتدبير العمومي. فبعض القراءات داخل الوسط الرياضي ترى أن جزءاً من الأزمة يعود إلى طريقة انتقال القيادة داخل الجامعات الرياضية، حيث غالباً ما تتحول لحظات الانتقال إلى صراعات حول إعادة ترتيب الإرث الإداري، أكثر من كونها مشاريع تطوير مؤسساتي مستمر.

وفي هذا السياق، يبرز جدل أوسع حول موقع الوزارة في تدبير الشأن الرياضي، وحدود تدخلها، مقابل استقلالية الجامعات. فبين من يعتبر أن تدخل الوزارة ضرورة لضبط الحكامة وضمان احترام القانون، ومن يرى أن هذا التدخل قد يتحول إلى وصاية غير مباشرة، يظل السؤال الحقيقي معلقاً حول نموذج الحكامة الرياضي الأنسب.

كما تعيد هذه الأزمة طرح إشكال قديم-جديد يتعلق بعلاقة السياسة بالرياضة، وحدود تداخلهما. فجزء من النقاش العمومي يتجه نحو فكرة فصل أكبر بين القرار الرياضي والقرار الإداري الحكومي، عبر التفكير في نماذج أكثر استقلالية مثل مجالس عليا أو هيئات وطنية مستقلة لتدبير الرياضة، بما يضمن استمرارية القرارات بعيداً عن التغييرات الظرفية، ويقلل من تأثير الحسابات الإدارية أو التوازنات الشخصية.

وفي العمق، لا تبدو أزمة الجامعة الملكية للكيك بوكسينغ مجرد خلاف داخلي عابر، بل مرآة لنقاش أوسع حول مستقبل الرياضة القتالية في المغرب، وكيفية بناء مؤسسات قادرة على استيعاب الطموح الرياضي دون أن تتحول إلى ساحة صراع إداري ينعكس في النهاية على الرياضيين أنفسهم، الذين يظلون الحلقة الأضعف في كل معادلة تنظيمية غير مستقرة.

وبين انتظار جواب رسمي من الوزارة، وترقب مآلات الاستقالات داخل المكتب المديري، تبقى المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الأزمة ستُعالج بمنطق إصلاح مؤسساتي شامل، أم ستُدار كأزمة ظرفية أخرى تُرحّل من مرحلة إلى أخرى دون معالجة جذورها الحقيقية.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا