رغم مرور سنوات على آخر مواجهة مباشرة بين دانيال كورمييه وجون جونز، لا تزال واحدة من أكثر الخصومات تأثيرًا في تاريخ UFC قادرة على إعادة إنتاج نفسها، ولو خارج القفص. فالتنافس بين الرجلين، الذي شكّل لسنوات محور فئة الوزن الخفيف الثقيل، لم يُطوَ نهائيًا، بل انتقل إلى مساحات جديدة: التحليل، التدريب، والرهانات الرمزية المرتبطة بالإرث الرياضي.
في هذا السياق، عاد دانيال كورمييه ليؤكد، عبر تصريح مصوّر على قناته في يوتيوب، ثقته المطلقة في قدرته على التفوق على جون جونز في حال مواجهتهما مجددًا في نزال مصارعة خالص، أو ما يشبه عرضًا استعراضيًا خارج الإطار التنافسي التقليدي لـMMA. تصريح قد يبدو للوهلة الأولى مجرد استدعاء لحنين الماضي، لكنه يحمل في طياته دلالات أعمق تتجاوز حدود الاستفزاز الشخصي.
كورمييه، البالغ من العمر 46 عامًا، لا يتحدث هنا بصفته مقاتلًا معتزلًا يسعى للفت الانتباه، بل كرياضي لم ينقطع فعليًا عن عالم المصارعة. فهو لا يزال نشطًا كمدرب في Gilroy High School بولاية كاليفورنيا، حيث يشرف على تدريب جيل جديد من المصارعين، ويؤكد أنه يتدرب بانتظام ثلاث مرات أسبوعيًا، محافظًا على لياقته وتكرار الحركات الأساسية التي شكّلت هويته الرياضية.
من هذا المنطلق، يرى كورمييه أن أي مواجهة محتملة على بساط المصارعة ستكون محسومة تقنيًا لصالحه، معتبرًا أن سجله الأولمبي وخبرته الطويلة في المصارعة الحرة تمنحه أفضلية واضحة، حتى أمام مقاتل بحجم جون جونز. لكن اللافت في خطابه ليس فقط نبرة الثقة، بل إصراره على أن هذا التقييم لا يقتصر عليه وحده، بل يتقاسمه مع عدد من المتابعين والخبراء داخل الوسط، وإن كان – بحسب تعبيره – “الوحيد الذي يقول ذلك علنًا”.
في المقابل، يظل اسم جون جونز حاضرًا بوصفه الطرف الآخر في هذه المعادلة المفتوحة. فـ“بونز”، الذي خاض آخر نزال رسمي له قبل عامين وخرج فائزًا على ستيب ميوسيتش، لم يعلن اعتزالًا نهائيًا، ولا يزال نشطًا إعلاميًا ورياضيًا، سواء عبر مشاركته كمدرب في النسخة الروسية من The Ultimate Fighter إلى جانب كورمييه نفسه، أو من خلال النقاشات المتكررة حول إمكانية عودته.
وجود الرجلين كمدربين في برنامج واحد لا يبدو تفصيلًا عابرًا، بل يعيد إحياء سردية المنافسة في قالب جديد: تنافس على النفوذ، على الرواية، وعلى من يملك “الكلمة الأخيرة” في ذاكرة الجماهير. تصريحات كورمييه عن المصارعة، في هذا الإطار، قد تُقرأ كرسالة مزدوجة: تأكيد على تفوق تخصصي، وتذكير بأن خساراته السابقة أمام جون جونز في MMA لا تختزل كامل ميزان القوة بينهما.
في الخلفية، يتقاطع هذا الجدل مع تحليلات شخصيات أخرى داخل المشهد، من بينها إسلام ماخاشيف، الذي قدّم بدوره قراءة تقنية لاحتمال مواجهة مصارعة بين الرجلين. ما يعكس أن الحديث لم يعد مجرد تراشق لفظي، بل نقاشًا حقيقيًا حول الفوارق بين التخصصات، وحدود نقل التفوق من سياق إلى آخر.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بسؤال من سيفوز في نزال افتراضي، بقدر ما يرتبط بإرث رياضي لم يُحسم بالكامل. فبين جون جونز، رمز الهيمنة داخل القفص، ودانيال كورمييه، أيقونة المصارعة الأولمبية والاحترافية، تستمر rivalité في إعادة تعريف نفسها، مؤكدة أن بعض الصراعات الكبرى لا تنتهي بالنتائج فقط، بل تظل مفتوحة ما دام أصحابها قادرين على تغذيتها بالسرد، والرمز، والتحدي المستمر.