قبل أن تبدأ الجلسة، كان المشهد يبدو عادياً؛ طاولات، أوراق، لوائح للحضور، ومنصة يفترض أن تُناقش مستقبل رياضة حققت خلال السنوات الأخيرة انتشاراً واسعاً بين الشباب المغربي. لكن ما إن انطلقت أشغال الجمع العام غير العادي للجامعة الملكية المغربية للكيك بوكسينغ بمدينة الدار البيضاء، حتى تحولت القاعة من فضاء مؤسساتي إلى ساحة توتر انتهت بانسحاب ممثلي وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة واللجنة الوطنية الأولمبية المغربية، قبل أن تتوقف أشغال الجمع العام بالكامل. لم يكن الحدث مجرد اجتماع لم يكتمل، بل كان مؤشراً جديداً على أزمة أعمق تتجاوز جامعة رياضية واحدة، لتطرح أسئلة حول حكامة الرياضة المغربية، وحدود تدخل المؤسسات، وآليات تدبير الخلافات داخل الجامعات الرياضية.
بحسب المعطيات المتوفرة، بدأت الأزمة عندما علت داخل القاعة شعارات تطالب برحيل رئيس الجامعة القنديلي، قبل أن تتطور الأجواء إلى مشادات كلامية ونقاشات حادة بين الرئيس وعدد من الحاضرين، وهو ما دفع ممثلي الوزارة الوصية واللجنة الوطنية الأولمبية إلى مغادرة القاعة، في خطوة انتهت عملياً بتوقيف أشغال الجمع العام دون استكمال جدول أعماله، ودون صدور أي قرار بشأن النقط المدرجة فيه.
غير أن قراءة الحدث من زاوية “المشادات” وحدها تبقى قراءة سطحية. فالانسحاب الصادر عن ممثلي مؤسستين رسميتين يحمل دلالات أكبر من مجرد مغادرة قاعة اجتماع، لأنه يعكس وصول الخلاف إلى مستوى أصبحت معه الظروف غير ملائمة لاستمرار أشغال الجمع العام وفق الشروط التي يفترض أن تضمن السير العادي لمثل هذه المحطات التنظيمية.
وتأتي هذه التطورات في سياق تعرف فيه عدة جامعات رياضية بالمغرب نقاشاً متزايداً حول الحكامة، وطرق تدبير الجموع العامة، ومدى احترام مبادئ الديمقراطية الداخلية والشفافية، وهي قضايا أصبحت تحتل مكانة مركزية داخل المنظومة الرياضية منذ دخول القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة حيز التنفيذ، والذي جعل من الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام الأنظمة الأساسية، عناصر أساسية في تدبير الجامعات الرياضية.
فالجامعة الرياضية ليست مجرد جمعية تنظم المنافسات، بل مؤسسة ذات منفعة عامة تتلقى دعماً مالياً من الدولة، وتدبر برامج لتكوين الرياضيين والحكام والمدربين، وتمثل المغرب في المنافسات الدولية، وهو ما يجعل كل اضطراب تنظيمي داخلها يتجاوز الإطار الداخلي ليصبح قضية مرتبطة بحسن تدبير المال العام وبصورة الرياضة الوطنية.
كما أن حضور ممثلي الوزارة واللجنة الأولمبية داخل الجموع العامة لا يهدف إلى التدخل في القرارات الانتخابية أو النقاشات الداخلية، بقدر ما يرتبط بضمان احترام المساطر القانونية والتنظيمية، ومراقبة مدى انسجام سير الاجتماعات مع القوانين الجاري بها العمل. لذلك، فإن انسحابهما يكتسب دلالة رمزية قوية، لأنه يوحي بأن الظروف لم تعد تسمح بمواصلة الأشغال في إطار يضمن الهدوء والانضباط المؤسسي، مع انتظار توضيحات رسمية تحدد أسباب هذه الخطوة وتبعاتها القانونية.
وفي المقابل، فإن غياب أي بلاغ رسمي صادر، إلى حدود اللحظة، عن الوزارة أو اللجنة الأولمبية أو الجامعة نفسها، فتح المجال أمام التأويلات والتسريبات، وهو ما يزيد من الحاجة إلى تواصل مؤسساتي سريع يوضح للرأي العام الرياضي حقيقة ما جرى، خاصة أن الشفافية أصبحت جزءاً أساسياً من الحكامة الحديثة، ولم يعد مقبولاً أن تبقى الأندية والعصب والرياضيون والرأي العام في حالة انتظار وسط تضارب الروايات.
ومن الناحية القانونية، فإن توقيف الجمع العام قبل استكمال جدول أعماله يطرح بدوره أسئلة حول الإجراءات التي ستتبع لاحقاً؛ هل سيتم تحديد موعد جديد لاستكمال الأشغال؟ وهل سيعتبر الجمع العام لاغياً ويعاد استدعاؤه من جديد؟ أم ستتدخل الجهات المختصة لإيجاد صيغة قانونية تضمن استمرارية المؤسسة مع احترام مقتضيات النظام الأساسي والقانون المنظم للجامعات الرياضية؟ وهي أسئلة لا يمكن الحسم فيها إلا بعد صدور مواقف رسمية تحدد المسار الذي ستسلكه هذه الأزمة.
أما على المستوى الرياضي، فإن الخاسر الأول من مثل هذه الأزمات يظل الرياضي نفسه. فالكيك بوكسينغ من الرياضات التي شهدت توسعاً ملحوظاً في المغرب، مع ارتفاع عدد الجمعيات المنخرطة، وتزايد مشاركة الأبطال المغاربة في البطولات القارية والدولية، وهو ما يجعل الاستقرار الإداري داخل الجامعة شرطاً أساسياً لاستمرار برامج الإعداد والتكوين والمشاركة الدولية. وكل اضطراب مؤسساتي ينعكس، بشكل مباشر أو غير مباشر، على التخطيط الرياضي، وعلى صورة الجامعة أمام الهيئات الدولية والشركاء والرعاة.
كما تكشف هذه الواقعة عن إشكال أوسع يتعلق بثقافة تدبير الخلاف داخل المؤسسات الرياضية. ففي كثير من الأحيان، تتحول الجموع العامة من فضاءات للمحاسبة والنقاش الديمقراطي إلى ساحات للاستقطاب الشخصي، حيث تطغى الاصطفافات والصراعات على النقاش حول البرامج والاستراتيجيات وتطوير الممارسة الرياضية. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس من انتصر داخل القاعة، بل لماذا تعجز بعض المؤسسات الرياضية عن تحويل الاختلاف إلى نقاش مؤسساتي منظم يحترم القانون ويخدم المصلحة العامة.
وتبرز أيضاً أهمية بناء ثقافة رياضية تقوم على المؤسسات لا على الأشخاص. فالجامعات الرياضية يفترض أن تكون قادرة على الاستمرار بغض النظر عن أسماء المسؤولين، لأن قوة المؤسسة تقاس بصلابة قوانينها، ووضوح آلياتها، وقدرتها على تدبير الاختلافات وفق المساطر القانونية، لا وفق موازين القوة داخل القاعة.
ويبقى انتظار البلاغات الرسمية أمراً ضرورياً لفهم جميع ملابسات ما وقع، احتراماً لمبدأ التوازن والإنصاف في التغطية الصحافية، إذ لا يمكن تحميل أي طرف مسؤولية قانونية أو أخلاقية قبل عرض روايته وتمكينه من توضيح موقفه.
وفي النهاية، قد يبدو ما جرى مجرد جمع عام توقف قبل نهايته، لكنه في الحقيقة يضع الرياضة المغربية مرة أخرى أمام سؤال أكبر: هل أصبحت الجامعات الرياضية فضاءات لتدبير مشروع رياضي وطني قائم على الحكامة والشفافية، أم أنها ما زالت تعيد إنتاج الأزمات نفسها التي تجعل الصراع على تدبير المؤسسة يطغى أحياناً على المهمة الأصلية، وهي صناعة البطل الرياضي وخدمة الرياضة المغربية؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت هذه الواقعة حادثاً عابراً، أم علامة جديدة على الحاجة إلى مراجعة أعمق لمنظومة الحكامة الرياضية بأكملها.