من قفص القتال إلى عشب البيت الأبيض: العالم يصنع أبطاله كقوة جيوسياسية… أين المقاتل المغربي في صورة العالم الجديدة؟

0
28
صورة : UFC.

حين تتحول الرياضة إلى مسرح جيوسياسي أمام البيت الأبيض… أين المقاتل المغربي في صورة العالم الجديدة؟

في لحظة لم تعد فيها الرياضة مجرد منافسة داخل قفص، بل أصبحت عرضًا سياسيًا وإعلاميًا واستراتيجيًا أمام أعين العالم، ظهر الفرنسي Ciryl Gane والبرازيلي Alex Pereira وجهاً لوجه على عشب White House، في مشهد يتجاوز حدود القتال نحو صناعة النفوذ والصورة والرمزية الدولية.

 

لم يكن الأمر مجرد “Face Off” عادي تنظمه Ultimate Fighting Championship، بل رسالة واضحة بأن الرياضات القتالية أصبحت جزءاً من القوة الناعمة للدول، ومن صناعة الهيبة السياسية والإعلامية والثقافية.

الذي سيقام بدعم مباشر من Donald Trump بمناسبة الاحتفال بمرور 250 سنة على تأسيس الولايات المتحدة، يكشف كيف تحولت الـMMA من رياضة هامشية إلى أداة دولة، وإلى منصة تستقطب عشرات الآلاف وتُبث إلى مئات الملايين عبر العالم. هنا لا يظهر المقاتل فقط كمحارب، بل كمنتج إعلامي، وسفير اقتصادي، وواجهة حضارية لبلده.

لكن السؤال المؤلم بالنسبة للمغرب لا يتعلق فقط بمن سيفوز بين غان وبيريرا… بل يتعلق بالسؤال الأعمق: أين المقاتل المغربي من هذه الصورة العالمية الجديدة؟

في المغرب، تُصنع بطولات على الورق أكثر مما تُصنع داخل القاعات العالمية. أبطال محليون يتم تضخيمهم إعلامياً داخل فضاءات مغلقة، بينما الواقع الدولي يكشف الفجوة الهائلة بين “البطل المحلي” و”المقاتل العالمي”. الصورة أصبحت أقسى من أي وقت مضى: فرنسا تملك مشروعاً لصناعة نجوم MMA، البرازيل حولت الفنون القتالية إلى هوية وطنية، الولايات المتحدة تستثمر الرياضة كقوة سياسية وإعلامية… بينما لا يزال المغرب غارقاً في صراعات الجامعات، والحسابات الشخصية، وذهنيات الهواية، وتوزيع الشرعيات بالمزاج والعلاقات.

المشكلة الحقيقية ليست في غياب المواهب المغربية، بل في غياب المنظومة القادرة على تحويل الموهبة إلى مشروع عالمي. المغرب يملك آلاف الشباب في الأحياء الشعبية ممن يرون في القتال فرصة نجاة اجتماعية واقتصادية، تماماً كما فعل أبطال البرازيل وداغستان سابقاً. لكن هؤلاء يصطدمون بمنظومة لا تؤمن بالعلم الرياضي، ولا بالتخطيط طويل المدى، ولا بصناعة البطل وفق معايير احترافية دولية.

في مشهد البيت الأبيض، كل تفصيل كان محسوباً: الصورة، البدلات، الكاميرات، الترويج، الرسائل السياسية، وحتى لغة الجسد. هذا ليس مجرد “حدث رياضي”، بل صناعة سردية كاملة حول القوة الأمريكية وحول مكانة الـUFC كأكبر آلة تسويق رياضي وقتالي في العالم. وهنا تكمن الفجوة الحضارية الحقيقية: بعض الدول تدير الرياضة بعقل استراتيجي، بينما دول أخرى ما تزال تديرها بعقلية الجمعيات المحلية والمصالح الضيقة.

الأخطر أن المغرب يعيش وهماً جماعياً في الرياضات القتالية. هناك تضخم في الخطاب، واحتفالات إعلامية بأي إنجاز صغير، بينما الحضور الحقيقي داخل المنظمات الكبرى يبقى محدوداً وهشاً. المقاتل المغربي غالباً ما يُترك وحيداً: بدون مراكز أداء عالمية، بدون دعم احترافي، بدون تسويق، بدون حماية قانونية، وبدون مشروع وطني حقيقي لصناعة الأبطال. لذلك يصبح النجاح الفردي استثناءً بطولياً، لا نتيجة منظومة.

أما نزال Ciryl Gane ضد Alex Pereira، فهو يحمل أبعاداً تتجاوز الحزام المؤقت للوزن الثقيل. غان يمثل المدرسة الأوروبية التقنية والانضباط التكتيكي، بينما بيريرا يجسد القوة البرازيلية المرعبة والخبرة القتالية المتوحشة القادمة من الكيك بوكسينغ. إنها مواجهة بين نموذجين لصناعة المقاتل الحديث.

ورغم خطورة بيريرا وقدرته التدميرية، فإن غان يملك أفضلية الحركة والذكاء وإدارة المسافات. إذا استطاع الفرنسي تفادي الضربات الثقيلة في الجولات الأولى، فقد يفرض إيقاعه ويُنهك البرازيلي تدريجياً. أما إذا نجح بيريرا في فرض تبادل مباشر، فقد تنتهي المواجهة بضربة واحدة. لهذا يبدو النزال أقرب إلى صراع بين “العقل التكتيكي” و”القوة النووية”.

لكن بعيداً عن التوقعات، تبقى الصورة الأهم هي تلك التي التُقطت أمام البيت الأبيض: العالم يصنع أبطاله داخل مشاريع استراتيجية كبرى… بينما لا يزال جزء كبير من العالم العربي والإفريقي يكتفي بصناعة الأبطال داخل الصور والمنشورات والبطولات الورقية.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا