لم تكن مشاركة المنتخب الوطني المغربي للتايكواندو في الدوري الدولي المفتوح بمدينة تشنتشون الكورية الجنوبية، الذي أقيم ما بين 19 و21 يوليوز 2026، مجرد حضور في إحدى أقوى المحطات الدولية، بل جاءت لتؤكد أن التايكواندو المغربي يواصل ترسيخ مكانته ضمن خارطة القوى الصاعدة عالمياً، بعدما عاد بميدالية ذهبية وأخرى فضية من بطولة عرفت مشاركة نخبة من أبطال العالم والمتوجين بالألقاب الأولمبية، في اختبار حقيقي لمستوى المنتخبات قبل الاستحقاقات الكبرى المقبلة.
الإنجاز الأبرز حملت توقيعه البطلة العالمية أمينة الدحاوي، التي قدمت بطولة مثالية بكل المقاييس، لتفرض سيطرتها على منافسات وزن أقل من 57 كيلوغراماً، وتعتلي منصة التتويج عن جدارة واستحقاق. ولم يكن طريقها نحو الذهب مفروشاً بالورود، بل جاء عبر سلسلة من الانتصارات المقنعة على مدارس تعد من الأقوى عالمياً، حيث افتتحت مشوارها بالفوز على الكورية KIM Nanhee بنتيجة (2-0)، ثم تجاوزت الصينية MA Yifei بالنتيجة نفسها، قبل أن تقصي الإيرانية MOHAMMADI Hasti، وتواصل تألقها في نصف النهائي بإسقاط الكورية LEE Yein بنتيجة (2-0)، لتبلغ المباراة النهائية بثقة كبيرة.
وفي النزال الختامي، قدمت الدحاوي واحدة من أبرز عروض البطولة، بعدما تمكنت من التفوق على الإيرانية ناهيد كياني تشاندة، البطلة الأولمبية وأحد أبرز الأسماء في التايكواندو العالمي، بنتيجة (2-0)، في فوز يحمل دلالات فنية كبيرة، ويؤكد أن البطلة المغربية أصبحت قادرة على فرض تفوقها حتى أمام صاحبات أعلى التصنيفات والخبرة الدولية.
وفي الجهة الأخرى، أكدت فرح التوزاني أن المستقبل يحمل الكثير للتايكواندو المغربي، بعدما بصمت على مشاركة قوية في وزن أقل من 46 كيلوغراماً، قادتها إلى التتويج بالميدالية الفضية بعد سلسلة من النزالات الصعبة التي أظهرت تطوراً واضحاً في شخصيتها التنافسية وقدرتها على التعامل مع مختلف المدارس الآسيوية.
واستهلت التوزاني مشوارها بالفوز على الكورية LEE Yumin بنتيجة (2-0)، ثم تفوقت على اليابانية KAWABE Chia بالنتيجة نفسها، قبل أن تحقق أحد أبرز انتصاراتها بإقصاء بطلة العالم للشابات من الصين تايبيه WANG Chieh-ling بنتيجة (2-1) في مواجهة اتسمت بالندية والإثارة. وفي نصف النهائي، واصلت تألقها بإقصاء الكورية HA Minseo بنتيجة (2-1)، قبل أن تتوقف في المباراة النهائية أمام البطلة الصينية، مكتفية بالميدالية الفضية بعد خسارتها بنتيجة (2-0).
ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن العمل الجماعي الذي يرافق المنتخب الوطني، إذ ترأس الوفد المغربي حماد الشتواني، عضو المكتب المديري للجامعة، فيما أشرف على الجانب التقني طاقم المنتخب الوطني بقيادة المدرب الكوري الجنوبي لي دونغ وون، بمساعدة المدربين الوطنيين مصطفى العمراني وحمزة الخراب، في نموذج يجمع بين الخبرة الدولية والكفاءة الوطنية، وهو ما بدأ ينعكس بشكل واضح على نتائج المنتخب في المحافل الكبرى.
وتكشف هذه النتائج أن الجامعة الملكية المغربية للتايكواندو تمضي في بناء مشروع رياضي قائم على الاستمرارية وإعداد جيل قادر على المنافسة في أعلى المستويات، خاصة أن البطولة شكلت محطة قياس مهمة أمام منتخبات تمثل مدارس عريقة في اللعبة، وفي مقدمتها كوريا الجنوبية والصين وإيران واليابان.
ولا تقتصر قيمة هذه الميداليات على بعدها الرقمي، بل تحمل رسالة رياضية واضحة مفادها أن المغرب أصبح يمتلك عناصر قادرة على مقارعة أبطال العالم والأولمبياد في أكبر البطولات الدولية، وأن العمل التقني والتخطيط بعيد المدى يبدآن في إنتاج ثماره على أرض الواقع.
ومع اقتراب الاستحقاقات القارية والعالمية المؤهلة إلى دورة الألعاب الأولمبية المقبلة، تبدو مشاركة المنتخب المغربي في تشنتشون أكثر من مجرد نجاح مرحلي؛ إنها مؤشر على أن التايكواندو المغربي يدخل مرحلة جديدة عنوانها المنافسة على الألقاب الدولية، وليس الاكتفاء بالمشاركة، في وقت تتزايد فيه الطموحات إلى تحويل هذا الزخم إلى إنجازات أولمبية تعزز مكانة الرياضة المغربية على الساحة العالمية.