بيريرا يفتح النار على غان بعد السقوط في البيت الأبيض: هل يتحدث “بواتان” عن ضربة غير قانونية… أم عن جرحٍ يصعب الاعتراف به؟

0
40
صورة : UFC.

لم تنتهِ المواجهة التي جمعت أليكس بيريرا وسيريل غان على لقب الوزن الثقيل المؤقت في عرض UFC Freedom 250 داخل البيت الأبيض مع صافرة الحكم أو إعلان الفائز. فبينما احتفل الفرنسي بانتصار تاريخي عزز مكانته في قمة الوزن الثقيل، بدأت معركة أخرى خارج القفص، عنوانها التصريحات والاتهامات والروايات المتضاربة حول ما حدث في اللحظات الحاسمة للنزال.

الهزيمة بالضربة الفنية القاضية في الجولة الثانية لم تكن بالنسبة لبيريرا مجرد خسارة رياضية، بل تحولت إلى قضية يرى أنها غيّرت مسار النزال بطريقة غير عادلة. البطل البرازيلي السابق، الذي كان يحلم بأن يصبح أول مقاتل في تاريخ المنظمة يحرز ثلاثة ألقاب في ثلاث فئات وزنية مختلفة، خرج غاضباً، ليس من خصمه فقط، بل أيضاً من الحكم المخضرم هيرب دين، معتبراً أن ضربات وُجهت إلى مؤخرة رأسه كانت السبب الحقيقي في توقف النزال.

لكن خلف هذا الجدل التحكيمي، يبرز سؤال أكثر أهمية: لماذا تستمر مثل هذه القضايا في إثارة الانقسام داخل رياضات الفنون القتالية المختلطة؟ وهل يتعلق الأمر فعلاً بتطبيق القواعد، أم بأن الهزيمة في أعلى مستويات المنافسة تفتح الباب دائماً أمام صراع الروايات؟

في ظهوره الإعلامي الأخير مع الصحفي أرييل هيلواني، لم يكتفِ بيريرا بالاعتراض على بعض الضربات التي وصفها بغير القانونية، بل صعّد لهجته تجاه سيريل غان نفسه. وقال إن المقاتل الفرنسي، عندما يسقط منافسه، لا يبحث عن أفضل الضربات القانونية لإنهاء النزال، بل يسعى إلى إنهائه بأي وسيلة، تاركاً مسؤولية تقييم شرعية الضربات للحكم داخل القفص.

هذه التصريحات تحمل في طياتها أكثر من مجرد انتقاد فني. فهي تعكس رؤية بيريرا لطبيعة القتال الاحترافي، حيث يعتبر أن الانتصار لا يكتمل إلا إذا تحقق ضمن الحدود الصارمة للقانون الرياضي. ومن وجهة نظره، فإن أي تساهل تحكيمي قد يغيّر مصير بطولة كاملة، ويعيد رسم مسيرة رياضية بُنيت على سنوات طويلة من العمل.

الأكثر إثارة للجدل كان حديثه عن شخصية خصمه. فقد أكد أن غان “لم يكن ليصمد” لو استمر النزال دون تلك الضربات، مضيفاً أن الفرنسي “لا يملك القلب الكافي”، وأن علامات الإرهاق كانت واضحة عليه قبل إيقاف المواجهة. مثل هذه العبارات ليست جديدة في عالم الفنون القتالية المختلطة، حيث تشكل الحرب النفسية جزءاً من المنافسة، لكنها في الوقت نفسه تعكس صعوبة تقبل الخسارة عندما تكون الرهانات تاريخية بهذا الحجم.

في المقابل، يرى قطاع واسع من المتابعين أن مثل هذه التصريحات تأتي في سياق طبيعي بعد الهزائم الكبرى، خاصة عندما يكون المقاتل قد اعتاد الوقوف في موقع المنتصر. فالتاريخ الحديث لـUFC مليء بأبطال شككوا في قرارات الحكام أو في شرعية بعض الضربات عقب خسائر مفصلية، قبل أن تتحول الأنظار لاحقاً إلى إمكانية إقامة مواجهة إعادة أو استعادة اللقب داخل القفص بدلاً من المنابر الإعلامية.

ومن الناحية القانونية والرياضية، فإن إثبات تأثير ضربة غير قانونية ليس بالأمر السهل. فالقوانين المنظمة للفنون القتالية المختلطة تمنح الحكم داخل القفص سلطة تقديرية واسعة في تقييم سير النزال واتخاذ قرار الإيقاف، كما أن لجان الملاكمة والرياضات القتالية نادراً ما تلغي نتائج النزالات إلا إذا ثبت وقوع خطأ إداري أو مخالفة واضحة ومؤثرة بشكل قاطع في النتيجة النهائية. ولهذا السبب، تبدو فرص تغيير نتيجة أي نزال بعد انتهائه محدودة للغاية.

ورغم حدة انتقاداته، أظهر بيريرا قدراً من الواقعية عندما أعلن أنه لن يتقدم بطعن رسمي ضد النتيجة، قائلاً إن ذلك “لا معنى له”، وإن غان أصبح بطلاً، وعلى الجميع التعامل مع هذه الحقيقة. هذا الموقف يكشف تناقضاً لافتاً؛ فهو من جهة يصر على أن لحظة تاريخية سُرقت منه، ومن جهة أخرى يعترف بأن المسار المؤسسي للرياضة قد حُسم، وأن العودة إلى القفص تبقى الوسيلة الوحيدة لتغيير الرواية.

أما بالنسبة لسيريل غان، فإن الانتصار يتجاوز مجرد الفوز بحزام مؤقت. فقد منح الفرنسي دفعة هائلة في سباق الوزن الثقيل، وأعاد تثبيت صورته كمنافس قادر على هزيمة أحد أخطر الضاربين في تاريخ المنظمة. وفي الوقت نفسه، يدرك معسكره أن الجدل الإعلامي الذي يثيره بيريرا قد يتحول إلى وقود تجاري لمواجهة ثانية، وهي معادلة لطالما استفادت منها UFC في تسويق نزالات الإعادة الكبرى.

في النهاية، لا تبدو القضية مجرد خلاف حول ضربة خلف الرأس أو قرار تحكيمي مثير للجدل. إنها تكشف عن جانب إنساني عميق في الرياضة الاحترافية؛ فالأبطال لا يخوضون معاركهم ضد خصومهم فقط، بل يخوضون أيضاً معركة أصعب مع فكرة السقوط نفسها. وعندما تتحطم أحلام كتابة التاريخ في لحظة واحدة، يصبح البحث عن تفسير للهزيمة جزءاً من رحلة استعادة الذات.

ويبقى السؤال الذي قد يحدد مستقبل هذه القصة: هل ستبقى كلمات أليكس بيريرا مجرد صدى لغضب بطل خسر فرصة تاريخية، أم أنها ستكون الشرارة التي تقود إلى مواجهة ثانية قد تمنح الإجابة الوحيدة التي يعترف بها عالم القتال… الإجابة التي تُكتب داخل القفص، لا أمام الميكروفونات؟

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا