القانون 30.09 بين طموح الإصلاح وعجز التنزيل: هل أصبحت الرياضة المغربية رهينة نص قانوني تجاوزته التحولات؟
حين نتأمل واقع الرياضة المغربية اليوم، يصعب تجاهل المفارقة الكبرى التي تعيشها البلاد. فمن جهة، يحقق المغرب اختراقات دولية غير مسبوقة في كرة القدم، ويستعد لتنظيم تظاهرات عالمية كبرى، ويتحول تدريجياً إلى قوة رياضية إقليمية تستثمر في الرياضة باعتبارها أداة للدبلوماسية الناعمة والتنمية الاقتصادية والتأثير الدولي. ومن جهة أخرى، ما زالت البنية القانونية والتنظيمية التي تؤطر جزءاً مهماً من المشهد الرياضي تعاني من اختلالات تجعل العديد من الفاعلين يعتبرون أن قانون التربية البدنية والرياضة رقم 30.09 لم يعد قادراً على مواكبة التحولات المتسارعة التي عرفها العالم الرياضي خلال العقدين الأخيرين.
لقد جاء هذا القانون في سياق سياسي ومؤسساتي خاص، أعقب المناظرة الوطنية للرياضة بالصخيرات سنة 2008، حين كان الهدف المعلن هو تحديث الإطار القانوني الرياضي وإدخال قواعد الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل الجامعات والجمعيات الرياضية. يومها بدا المشروع طموحاً، واعتُبر خطوة مهمة نحو القطع مع مرحلة الفراغ التشريعي التي ظلت الرياضة المغربية تعيشها لعقود.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تكمن الأزمة في النص القانوني نفسه أم في العقل الإداري الذي تولى تنزيله؟
فعلى امتداد سنوات طويلة تعاقب وزراء ومديرون ومسؤولون مركزيون على تدبير القطاع، بينما بقيت مجموعة من المقتضيات الأساسية للقانون معلقة أو ناقصة التنفيذ. فاللجنة الوطنية للرياضة من المستوى العالي لم تأخذ المكانة التي تصورها المشرع، كما أن عدداً من المؤسسات والآليات التي نص عليها القانون لم تتحول إلى أدوات فعلية لتطوير الرياضة الوطنية.
لكن المشكلة الأعمق لا تبدو مرتبطة فقط بتأخر إصدار المراسيم أو ضعف التنزيل الإداري، بل بطبيعة الفلسفة التي بُني عليها القانون نفسه. فالنص صدر في مرحلة كانت كرة القدم تهيمن بشكل شبه مطلق على التفكير الرياضي العمومي، وهو ما جعل العديد من مقتضياته تستلهم النموذج التنظيمي لكرة القدم وتعممه على مختلف الرياضات الأخرى، وكأن الرياضة الوطنية كتلة واحدة متجانسة.
غير أن الواقع الرياضي أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
فالرياضات الجماعية تختلف عن الرياضات الفردية، والرياضات الدفاعية تختلف عن الرياضات الأولمبية، والرياضات الاحترافية تختلف عن الرياضات الناشئة. كما أن رياضات مثل الجوجيتسو البرازيلية، وفنون القتال المختلطة، والرياضات الإلكترونية، وغيرها من التخصصات الجديدة، أصبحت اليوم جزءاً من الاقتصاد الرياضي العالمي ومن صناعة الترفيه الدولية، بينما ما زالت بعض العقليات الإدارية تتعامل معها بمنطق الريبة أو التردد أو الخوف من منافستها للرياضات التقليدية.
هنا تظهر إحدى أكبر معضلات المشهد الرياضي المغربي: هيمنة الإدارة على المجال الرياضي بدل الاكتفاء بتنظيمه.
ففي التجارب الرياضية المتقدمة، تكون الوزارة جهة استراتيجية تضع السياسات العمومية وتراقب حسن التنفيذ، بينما تمنح الجامعات والفاعلون الرياضيون هامشاً واسعاً من الاستقلالية. أما حين تتحول الإدارة إلى لاعب وحكم في الوقت نفسه، فإنها تصبح صاحبة سلطة الترخيص والمنع والتأويل والانتقاء، وهو ما يفتح الباب أمام الشكاوى المتكررة المتعلقة بالبطء الإداري، والمحسوبية، والانتقائية، واختلاف المعايير من ملف إلى آخر.
ولعل أخطر ما يكشفه هذا الوضع هو أن الأزمة لم تعد أزمة قانون فقط، بل أزمة حكامة.
فالعالم يعيش اليوم ثورة رقمية غير مسبوقة، وأصبحت الحكومات تتجه نحو تقليص السلطة التقديرية للإدارة وتعويضها بمنصات رقمية تعتمد معايير واضحة وشفافة. المواطن أو المؤسسة أو الجمعية يضع ملفه إلكترونياً، فإذا استوفى الشروط القانونية يحصل على الموافقة، وإذا لم يستوفها يتوصل بتعليل قانوني دقيق.
في هذه النماذج لا مكان للمزاج الشخصي، ولا للعلاقات، ولا للهواتف، ولا للتدخلات غير المبررة.



