هل تُبنى الهوية المغربية بعقل مستورد؟ تناقض يكشف عمق أزمة الملاكمة

0
36

يعود الجدل داخل المشهد الرياضي المغربي، وهذه المرة من بوابة الملاكمة، بعد ما تم تداوله على صفحات تُنسب إلى ما يسمى “البوابة المغربية للملاكمة”، وهي مواد إعلامية أثارت نقاشاً واسعاً عقب رصدها من طرف مجلة MMAMAG على موقع فيسبوك. غير أن جوهر القضية لا يتعلق فقط بما نُشر، بل بما يكشفه هذا النشر من توتر أعمق داخل منظومة تعيش منذ سنوات على إيقاع الأسئلة أكثر من الأجوبة.

فالمضمون المتداول، الذي يهاجم أو يشكك في قرارات الجامعة الملكية المغربية للملاكمة، خصوصاً ما يتعلق بالخيارات التقنية والاعتماد على خبرات أجنبية، يعكس في ظاهره موقفاً نقدياً، لكنه في عمقه يفتح باباً أوسع يتعلق بصراع سرديات داخل الرياضة الوطنية: سردية رسمية تسعى إلى تقديم مشروع “إصلاح وتحديث”، وسردية مقابلة ترى في هذه التحولات مؤشراً على ارتباك بنيوي واهتزاز في الثقة بالكفاءات المحلية.

ومن خلال تفكيك الخطاب الذي يروج له هذا النوع من المحتوى، يتضح أن الإشكال لا يقف عند حدود تقييم قرار إداري أو تقني، بل يمتد إلى سؤال أعمق حول طريقة إنتاج الشرعية داخل المؤسسات الرياضية. فحين تتحول النقاشات التقنية إلى فضاء للتجاذب الإعلامي بدل أن تُحسم داخل قنوات الحكامة والشفافية، تصبح الصورة أكثر تعقيداً، ويصبح الجمهور طرفاً في معركة روايات متقابلة أكثر من كونه متلقياً لمعلومة دقيقة.

ويبرز هنا بوضوح عنصر آخر لا يقل أهمية، وهو الدور المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي الرياضي العام. فهذه المنصات، بما تتيحه من سرعة وانتشار، أصبحت قادرة على تحويل أي قرار إداري إلى قضية رأي عام، لكنها في الوقت نفسه تطرح إشكال المصداقية، وحدود الفاصل بين النقد المهني وبين التأثير الموجه أو غير المنضبط.

وفي العمق، فإن الجدل المثار حول اعتماد خبرات أجنبية في التسيير التقني للملاكمة المغربية لا يمكن فصله عن سياق أوسع تعيشه العديد من الرياضات الوطنية، حيث يتقاطع الطموح إلى الارتقاء بالمستوى التنافسي مع سؤال الكفاءة المحلية، ومع تحديات التكوين المستمر، ومع محدودية الاستثمار في صناعة مدربين في مستوى عالمي داخل المنظومة الوطنية نفسها.

ومن هذا المنظور، يصبح النقاش أقل ارتباطاً بالأشخاص أو بالقرارات الظرفية، وأكثر ارتباطاً ببنية النظام الرياضي ذاته: هل يتم إنتاج الكفاءات داخلياً بشكل كافٍ؟ هل هناك مسار واضح لنقل الخبرة وتراكمها؟ أم أن كل مرحلة جديدة تبدأ من الصفر في كل مرة؟

كما أن أي قراءة سطحية للصراع الحالي بين الخطاب المؤيد والمعارض قد تُغفل حقيقة أساسية، وهي أن الأزمات الرياضية غالباً ما تكون انعكاساً لأزمات تنظيمية أعمق، تتعلق بالتخطيط، وتدبير الموارد، واستمرارية المشاريع، وليس فقط باختيار أسماء في مناصب تقنية.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التعامل مع ما يُنشر إعلامياً أو عبر المنصات الاجتماعية بحذر تحليلي، يميز بين الخبر، والرأي، والتأويل، لأن خلط هذه المستويات يؤدي في النهاية إلى إنتاج ضجيج إعلامي لا يخدم الفهم الحقيقي للواقع الرياضي.

وفي النهاية، فإن القضية التي يثيرها هذا الجدل لا تتعلق فقط بقرار أو بتصريح أو بموقف إعلامي، بل بسؤال أكبر يظل معلقاً: كيف يمكن للملاكمة المغربية أن تبني مشروعها الرياضي على قاعدة الثقة، والشفافية، والاستمرارية، دون أن تتحول كل خطوة إصلاح إلى ساحة صراع مفتوح بين الروايات؟

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا