بعد ذهب كوريا… محمد الداودي يضع التايكوندو المغربي أمام امتحان الحكامة

0
31

في مقاله الأخير، لا يتوقف الكاتب والإعلامي محمد الداودي عند حدود الاحتفاء بالإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب الوطني المغربي للتايكوندو في كوريا الجنوبية، بل يختار أن ينقل النقاش إلى مستوى أكثر عمقًا. فبالنسبة إليه، لا تكمن أهمية اللقب العالمي الأول الذي أحرزه منتخب الإناث، ولا الميداليتين الذهبية والفضية المحققتين في الدوري الدولي المصنف، في قيمتهما الرياضية فقط، وإنما في كونهما يضعان المنظومة الوطنية أمام سؤال مؤسساتي بالغ الحساسية: ماذا بعد الإنجاز؟

وهنا تبدأ القراءة التي يقترحها الداودي. فالرجل يعتبر أن الميداليات، مهما بلغت قيمتها، ليست نهاية المشروع الرياضي، بل مجرد مؤشر على أن المنظومة تمتلك من المؤهلات ما يسمح لها بمراكمة نجاحات أكبر، شريطة ألا تتحول تلك النجاحات إلى ضحية للصراعات الداخلية التي اعتادت الظهور كلما اقتربت المواعيد الأولمبية.

ومن يقرأ مقال الداودي بين السطور يكتشف أنه لا يناقش ملفًا تقنيًا بالمعنى الضيق، بل يناقش مفهوم الحكامة الرياضية. فالكاتب يرفض اختزال المجال التقني في اسم مدير تقني أو مدرب منتخب، ويعيد تعريفه باعتباره منظومة تبدأ من التكوين القاعدي، مرورًا بالتأطير والتحكيم والبطولات الوطنية والجهوية، وصولًا إلى المنتخبات الوطنية. إنها رؤية تنسجم مع التجارب الرياضية الكبرى التي جعلت من الاستثمار في المنظومة، لا في الأشخاص، أساسًا لصناعة الأبطال.

ومن هنا، فإن الرسالة الأساسية التي يدافع عنها محمد الداودي تبدو واضحة: لا يمكن تقييم أي مشروع رياضي من خلال نتائجه الظرفية فقط، كما لا يمكن اختزال مستقبل التايكوندو المغربي في النقاش الدائر حول هذا المسؤول أو ذاك. فالنتائج التي تحققت في إفريقيا، ثم في إيطاليا، وأخيرًا في كوريا الجنوبية، تعكس وجود تراكم تقني ينبغي الحفاظ عليه وتطويره، بدل تحويله إلى ورقة في صراع المواقع داخل المؤسسة.

ويذهب الكاتب إلى أبعد من ذلك عندما يقرأ طبيعة النقاش الدائر داخل الجامعة. فهو يرى أن جزءًا من الجدل لم يعد يدور حول الأفكار أو البرامج أو التصورات، بقدر ما أصبح يدور حول النفوذ ومراكز التأثير. وهنا يطرح الداودي سؤالًا ضمنيًا بالغ الدلالة: كيف يمكن لرياضة تحقق أفضل نتائجها العالمية أن تجد نفسها في الوقت نفسه غارقة في سجالات لا تتعلق بالمشروع الرياضي بقدر ما تتعلق بمن يدير هذا المشروع؟

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في مقال الداودي قراءته لما يعتبره مفارقة داخل الخطاب المعارض لتدبير الجامعة. فهو يشير إلى أن أصواتًا كانت تنتقد في وقت سابق ما وصفته بتركيز القرار داخل رئاسة الجامعة، أصبحت اليوم تطالب الرئيس نفسه بحسم الملفات التقنية بشكل مباشر. وبالنسبة إليه، فإن هذا التحول يكشف أن الإشكال لم يكن دائمًا مرتبطًا بمبدأ الحكامة أو الدفاع عن المؤسسات، بل أحيانًا بطبيعة الموقع الذي يشغله كل طرف داخل معادلة القرار.

ولا يعني ذلك، في قراءة الكاتب، أن رئيس الجامعة ينبغي أن يتحول إلى مدير تقني أو أن يحتكر القرار، بل على العكس تمامًا. فالداودي يدافع عن فكرة مفادها أن قوة المؤسسة تكمن في احترام اختصاصاتها، وأن مسؤولية الرئيس هي حماية المشروع وضمان حسن اشتغال آلياته، لا الحلول محل الأطر التقنية. وهذه رؤية تنطلق من منطق مؤسساتي يعتبر أن نجاح الرياضة يبدأ من وضوح الأدوار قبل أن يبدأ من وضوح النتائج.

ويستحضر محمد الداودي، في ختام مقاله، تجربة المنتخب الوطني لكرة القدم باعتبارها مثالًا على أهمية التراكم في بناء المشاريع الرياضية. وليس المقصود من المقارنة، في تقديرنا، القياس الحرفي بين رياضتين تختلفان في بنيتهما، وإنما التأكيد على فكرة مركزية مفادها أن الرياضة لا تتقدم بالقطيعة الدائمة، ولا بالجمود الدائم، بل بالتقييم المستمر والقدرة على تطوير المشروع كلما دعت الحاجة إلى ذلك.

لكن ربما تكون أكثر الرسائل الإنسانية تأثيرًا في مقال الداودي تلك التي تتعلق بأحلام الأبطال أنفسهم. فالكاتب يذكر بأن وراء كل ميدالية شابًا أو شابة خرجا من أحياء شعبية، واختارا الرياضة طريقًا لصناعة المستقبل وخدمة الوطن. وعندما تصبح هذه الأحلام مهددة بتجاذبات إدارية أو حسابات شخصية، فإن الخاسر لا يكون مسؤولًا داخل الجامعة، بل يكون المشروع الرياضي الوطني برمته.

إن القيمة الحقيقية لمقال محمد الداودي لا تكمن في دفاعه عن هذا المسؤول أو ذاك، وإنما في محاولته نقل النقاش من مستوى الأشخاص إلى مستوى المؤسسة. فهو يدعو، في جوهر خطابه، إلى أن تصبح الميداليات العالمية فرصة لترسيخ ثقافة الحكامة، لا مناسبة لتجديد الانقسامات، وأن تتحول النجاحات الدولية إلى نقطة انطلاق لبناء منظومة أكثر استقرارًا وقدرة على صناعة الإنجاز.

واليوم، وبعد أن عاد المنتخب الوطني من كوريا محملًا بذهب التاريخ، يبقى السؤال الذي يطرحه محمد الداودي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: هل تملك منظومة التايكوندو المغربي من النضج المؤسسي ما يجعلها تستثمر هذا الزخم في طريق أولمبي واعد، أم أن صراعات الداخل ستبدد مرة أخرى فرصة كان يفترض أن تؤسس لمرحلة جديدة؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي يبدأ بعد العودة من منصات التتويج، وهو الامتحان الذي يرى الكاتب أن النجاح فيه سيكون، قبل أي شيء آخر، انتصارًا للمغرب ولرياضته وللأجيال التي تحلم بأن تجعل من العلم الوطني عنوانًا دائمًا فوق منصات العالم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا