دانييل كورمييه والخلل الأميركي في الـUFC: عندما تغيب المصارعة، تغيب الأحزمة

0
8
صورة : UFC

لم يكن حديث دانييل كورمييه عن تراجع الحضور الأميركي في قمة الـUFC مجرّد ملاحظة عابرة أو حنين بطل سابق إلى زمن مضى، بل تشخيصًا صارمًا لاختلال بنيوي أصاب المدرسة القتالية الأميركية في السنوات الأخيرة. واقع الأرقام لا يرحم: لا بطل أميركيًا واحدًا يحمل حزامًا حاليًا، وحضور باهت في تصنيف الـPound for Pound، في منظمة تُقام غالبية عروضها على الأراضي الأميركية.

كورمييه، بصفته مصارعًا أولمبيًا سابقًا وبطلًا مزدوج الأوزان، لا يرى المشكلة في نقص الموهبة، بل في انقطاع السلسلة بين المصارعة الأميركية والـMMA. فبحسب رؤيته، المصارعون الأميركيون، رغم تفوقهم التاريخي، لم يعودوا يتجهون إلى القتال الاحترافي بالقدر الكافي، إما بسبب مسارات مهنية أكثر أمانًا، أو غياب الجسور المؤسسية التي تحفّزهم على الانتقال إلى القفص.

حديثه لم يخلُ من المفارقة. فهو يُشيد صراحةً بخبيب نورمحمدوف وإسلام ماخاشيف، ويصفهم بـ«الأفضل»، لكنه في الوقت نفسه يرى أنهم يمثلون نموذجًا ناجحًا استثمر في المصارعة كقاعدة صلبة للهيمنة، وهو النموذج ذاته الذي تخلّت عنه الولايات المتحدة تدريجيًا. هنا لا يهاجم كورمييه الآخر، بل ينتقد الذات: كيف فقدت أميركا ما كانت تتقنه أكثر من غيرها؟

وعندما يستحضر مثال أوروبا الشرقية، لا يفعل ذلك للإشادة الرومانسية، بل لتأكيد تحوّل استراتيجي واضح في اللعبة. الأبطال اليوم ليسوا بالضرورة أفضل الضاربين، بل الأكثر قدرة على التحكم في الإيقاع، فرض الأسلوب، وإلغاء خطورة الخصم. المصارعة، حين تُصقل بالانضباط والضغط المستمر، أصبحت العملة الأقوى في عالم الـMMA الحديث.

ما يقوله كورمييه ضمنيًا أخطر مما يبدو ظاهريًا: الـUFC، كمنظمة أميركية الهوية والتاريخ، باتت تعتمد في قمتها على مدارس وافدة، أكثر جوعًا، أكثر صبرًا، وأقل انشغالًا بالاستعراض. وفي غياب مشروع حقيقي لإعادة دمج المصارعين الأميركيين في اللعبة، فإن الخلل مرشّح للتفاقم لا للتراجع.

تصريح «DC» لا يعبّر عن أزمة أبطال فقط، بل عن أزمة فلسفة. فالنجاح في الـMMA لم يعد يُبنى على الموهبة الفردية وحدها، بل على منظومات تصنع المقاتل منذ سن مبكرة، وتدفعه نحو الاحتكاك، لا نحو الراحة. أوروبا الشرقية فعلت ذلك، وداغستان حولت المصارعة إلى هوية، بينما ترددت أميركا في تحويل تفوقها التاريخي إلى هيمنة مستدامة داخل القفص.

في هذا السياق، لا يبدو سؤال كورمييه: أين المصارعون الأميركيون؟ سؤالًا تقنيًا، بل سياسيًا–رياضيًا بامتياز. إنه سؤال عن الاستثمار، الرؤية، ومن يملك الجرأة على إعادة صياغة الطريق نحو القمة في لعبة لم تعد تعترف بالأسماء، بل بالأساليب التي تصمد تحت الضغط.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا