0
25

في لحظة تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها محمّلة بإشارات ثقيلة في عمقها، خرجت تدوينة مراد ميموني لتكسر صمتًا طال داخل فضاء رياضة الكيك بوكسينغ بالمغرب. لم يكن الأمر مجرد موقف تضامني أو ردّ فعل ظرفي، بل أقرب إلى صيحة داخل منظومة اعتادت إدارة تناقضاتها في الظل، بعيدًا عن المساءلة العلنية.

ما يقترحه ميموني، بين السطور، ليس توصيفًا تقنيًا لأزمة رياضية، بل تفكيكٌ لبنية أخلاقية قائمة على انقسام حاد: فئة تعرف وتدرك، لكنها تختار الصمت حين تتقاطع المبادئ مع المصالح، وفئة أخرى تتحرك داخل دائرة الجهل، تُستعمل دون وعي في صراعات لا تدرك خلفياتها. هذا التقسيم، في جوهره، يتجاوز الكيك بوكسينغ، ليعكس صورة مجتمع يعاني من اختلال في إنتاج الموقف، حيث يتحول الصمت إلى آلية للبقاء، والاصطفاف إلى ضرورة لحماية الموقع.

في هذا السياق، تتحول “كلمة الحق” التي يدعو إليها ميموني إلى مفهوم ثقيل الكلفة، ليس لأنها صعبة القول، بل لأنها تُهدد توازنات قائمة. فالرجل، وهو يربط الكرامة بالموقف، يعيد طرح سؤال المسؤولية بشكل غير مباشر: من يُبقي هذا الواقع قائمًا؟ هل هم فقط من يمارسون الاختلال، أم أيضًا من يغطّون عليه بالصمت أو التبرير؟

غير أن القراءة الأعمق لهذا الخطاب تكشف أن المسألة لا تتعلق فقط بحكامة جامعة أو صراع داخل جهاز رياضي، بل ترتبط بسياقات أوسع. فحين تختل منظومة الرياضة، فإنها تفقد دورها كرافعة اجتماعية، لتتحول إلى فضاء إضافي لإعادة إنتاج نفس الأعطاب: تهميش الطاقات الشابة، غياب تكافؤ الفرص، وانسداد الأفق أمام المواهب التي كان يمكن أن تشكل بديلًا حقيقيًا عن الهدر المدرسي والانزلاق الاجتماعي.

في هذا الامتداد، تبدو الرياضة—كما يلمّح خطاب ميموني—جزءًا من معادلة تنموية أكبر. فبلد لا ينجح في حماية مواهبه داخل الحلبة، قد لا ينجح أيضًا في حمايتها داخل المدرسة أو سوق الشغل. وهنا، تتقاطع أسئلة الرياضة مع أسئلة الدولة: كيف يمكن الحديث عن نموذج تنموي دون حكامة فعلية؟ وكيف يمكن تحويل الرياضة إلى أداة إدماج، وهي نفسها تعاني من اختلالات بنيوية؟

إعلان ميموني دعمه لـ خالد القنديلي يندرج، بدوره، في هذا السياق المركّب. فهو لا يبدو مجرد اصطفاف شخصي، بل تعبير عن محاولة ترجيح كفة داخل صراع أعمق بين منطقين: منطق الاستمرار الذي راكم النفوذ عبر الزمن، ومنطق القطيعة الذي يرفع شعار الإصلاح. غير أن هذا الاصطفاف يفتح بدوره سؤالًا معقدًا: هل يكفي تغيير الوجوه لإحداث التحول، أم أن الأزمة أعمق من الأشخاص، وتمس قواعد الاشتغال نفسها؟

وبين هذه المستويات المتداخلة، تبرز رسائل ميموني كأنها موجهة إلى أكثر من جهة في الآن نفسه: إلى المسؤول الذي يُطالَب بالجرأة، إلى الفاعل الرياضي الذي يُدعى لتحمّل مسؤوليته، وإلى المجتمع الذي لم يعد بإمكانه النظر إلى الرياضة كقطاع معزول عن باقي الأعطاب. إنها دعوة صريحة لإعادة ترتيب الأولويات، حيث تصبح القيم شرطًا للإصلاح، لا مجرد خطاب مرافق له.

لكن، في نهاية المطاف، يظل السؤال معلقًا: هل نحن أمام بداية وعي جديد داخل الرياضة المغربية، أم مجرد لحظة توتر ستُمتص كما حدث في مرات سابقة؟ بين الصمت الذي يُطيل عمر الاختلال، والكلمة التي قد تُكلف صاحبها الكثير، تتحدد ملامح المرحلة القادمة… ليس فقط في الكيك بوكسينغ، بل في الطريقة التي يختار بها المجتمع أن يواجه أعطابه أو يتعايش معها.

 
 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا