حين يصبح التدريب أقسى من القتال: مدرسة خابيب التي لا ينجو منها إلا الأبطال

0
7
صورة : UFC

لم يكن انتقال خبيب نورمحمدوف من القفص إلى زاوية التدريب مجرّد امتداد طبيعي لمسيرته الأسطورية، بل تحوّل سريعًا إلى مشروع صارم لإعادة إنتاج الهيمنة نفسها، ولكن عبر أجساد وعقول جيل جديد من المقاتلين. اعتزاله بسجل مثالي (29-0) لم يُنهِ حضوره في عالم الـMMA، بل أعاد تعريفه، هذه المرة كمدرّب لا يقل قسوة ولا تطلّبًا عمّا كان عليه كمقاتل. وفي قلب هذا المشروع يقف عثمان نورمحمدوف، ابن المدرسة نفسها وبطل الوزن الخفيف في PFL، بسجل خالٍ من الهزائم (21-0)، كأحد أبرز تجليات هذه الفلسفة.

عثمان، العائد مؤخرًا إلى المنافسة في دبي، لم يحتج إلى أكثر من ثلاث جولات ليؤكد أفضليته أمام ألفي ديفيس، منهياً النزال بإخضاع واضح، لكن ما يحدث داخل القفص لا يُفهم —بحسب اعترافه— إلا بالعودة إلى ما يجري خارجه. فخلف هذه السيطرة الهادئة، توجد أيام تدريب تُدار بمنطق كسر الحدود لا احترامها، حيث لا مكان للتعب بوصفه عذرًا، ولا للهامش النفسي الذي يسمح للمقاتل بالتراجع خطوة إلى الوراء.

في شهادته، يكشف عثمان عن جانب خفي من العلاقة بين المقاتل ومدرّبه، علاقة لا تقوم على المجاملة أو التوازن، بل على الدفع المستمر نحو أقصى الاحتمالات. حين حاول إيصال شعوره بالإرهاق إلى خبيب، جاء الرد كاشفًا لفلسفة كاملة: التردّد، في قاموس هذه المدرسة، ليس علامة ضعف، بل دليلًا على أن الجسد ما زال قادرًا على العطاء. هنا، لا يُنظر إلى التدريب كتحضير للنزال فقط، بل كنزال بحد ذاته، يُخاض يوميًا، بلا جمهور ولا أضواء.

اللحظة الأكثر دلالة في رواية عثمان ليست إخضاع ديفيس، بل تلك الجلسة التدريبية التي تحوّلت إلى عشرين دقيقة من المصارعة بعد انتهاء الحصة الرسمية. قرار خبيب بالعودة إلى الاشتباك، رغم الإرهاق، يعبّر عن قناعة راسخة: المقاتل الذي لا يُهزم في التدريب، نادرًا ما يُفاجأ في القتال الحقيقي. ولهذا، يعترف عثمان بأنه بات يتجنّب حتى الإفصاح عن تعبه، وكأن التعب ذاته أصبح فكرة يجب تجاوزها قبل أن يكون حالة جسدية.

اللافت أيضًا هو المقارنة الصريحة التي يعقدها عثمان بين خبيب ووالده الراحل عبد المنعم نورمحمدوف، أحد أبرز العقول التي أسست المدرسة الداغستانية الحديثة. حين يقول إن عبد المنعم كان «أسهل» في التدريب، فهو لا ينتقص من إرثه، بل يلمّح إلى تطوّر الفلسفة نفسها: من الانضباط الصارم إلى الضغط المفرط، من البناء إلى الاستنزاف المقصود، باعتباره أداة لصناعة مقاتلين لا ينكسرون.

ورغم القسوة، لا يحمل خطاب عثمان أي نبرة تذمّر. على العكس، يقدّم الامتنان بوصفه الخلاصة الطبيعية لهذه التجربة. عبارة «هو يحاول قتلنا، لكن هكذا نتطور» ليست مبالغة لغوية، بل توصيف دقيق لعقلية ترى في الألم شرطًا للتقدّم، وفي المعاناة استثمارًا طويل الأمد. إنها فلسفة تعتبر أن السيطرة داخل القفص تبدأ حين يصبح الخصم أقل قسوة من التدريب نفسه.

في المحصلة، لا تكمن أهمية هذه الشهادة في تفاصيلها البدنية، بل في بعدها الذهني. خبيب، كمدرّب، لا يصنع أبطالًا فقط، بل يعيد تشكيل مفهوم الاستعداد، ويزرع قناعة عميقة بأن النزال يُحسم قبل يومه بوقت طويل. ونجاحات فريقه، بين ألقاب وسجلات نظيفة ومنافسين من الصف الأول، تشير إلى أن هذه المدرسة —بقسوتها وانغلاقها— ما تزال واحدة من أكثر المشاريع فاعلية في عالم الـMMA المعاصر.

إنه إرث لا يقوم على الراحة، ولا يؤمن بالحلول الوسط، بل على فكرة بسيطة وقاسية في آن واحد: من ينجو من التدريب، يهيمن في القتال.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا