Israel Adesanya - Image credit @FREESTYLEBENDER Youtube
لم يعد حديث إسرائيل أديسانيا عن القتال يشبه خطابات الأبطال في ذروة مجدهم، ولا بيانات التحدّي التي اعتاد جمهور الـUFC سماعها. هذه المرّة، يتكلّم “ذا لاست ستايلبيندر” بنبرة مختلفة: أهدأ، أصدق، وأقرب إلى رجل يقف عند حافة طريق طويل، يلتفت خلفه ليرى ما أنجز، ثم ينظر أمامه دون أوهام.
قبل عودته إلى القفص في نزال رئيسي ضمن UFC Fight Night 271 يوم 28 مارس أمام جو بايفر، اختار أديسانيا أن يواجه سؤال النهاية علنًا. ليس إعلان اعتزال، ولا وداعًا مسرحيًا، بل اعترافًا صريحًا بأن المسار دخل مرحلته الأخيرة. في حديثه على قناته في يوتيوب، بدا الرجل مدركًا تمامًا لحساب الزمن داخل القفص: أقل من عشرة نزالات، وربما أقل من ذلك بكثير. 2027 هي آخر نقطة يستطيع أن يتخيّلها، وما بعدها ضباب لا يحاول تبديده.
هذا الوعي لا يأتي من فراغ. أديسانيا يعيش اليوم أقسى فتراته الرياضية. ثلاث هزائم متتالية، وسجل مهتز منذ 2022 (فوز واحد مقابل أربع هزائم)، بينها ضربة قاضية ثقيلة أمام نسوردين إيمافوف. أرقام تصطدم بقوة بذاكرة قريبة لمقاتل هيمن على فئة الوزن المتوسط بين 2019 و2022، ودافع عن لقبه خمس مرات بثقة ونفوذ، وكان يُقدَّم آنذاك كأحد وجوه الحقبة الجديدة في الـUFC.
لكن ما يميّز حديث أديسانيا ليس تشخيص التراجع، بل طريقته في التعامل معه. لا إنكار، ولا أعذار، ولا وعود بالعودة الأسطورية. فقط جملة تختصر التحوّل الداخلي: “كنت أرى خط النهاية بعيدًا… الآن صار أقرب”. هنا، لا يتحدّث المقاتل، بل الإنسان الذي يعرف أن الجسد له حدود، وأن الذروة لا تُستعاد بالإرادة وحدها.
وفي زمن اعتاد فيه كثير من المقاتلين إعلان الاعتزال ثم التراجع عنه، يضع أديسانيا خطًا واضحًا: إذا غادر، فلن يعود. قرار نهائي، بلا أبواب خلفية. هذا الحسم يكشف أن التفكير في “ما بعد القتال” لم يعد فكرة مؤجَّلة، بل مشروعًا قيد البناء. بالفعل، بدأ أديسانيا اختبار هويّات أخرى: DJ على منصّات موسيقية، تجربة عاشها في مهرجان AfroSoul بنيوزيلندا أواخر 2025، وتحدّث عنها بشغف يشبه شغف المقاتل بمعسكره الأول. الموسيقى، الأداء، الوقوف أمام الجمهور… كلها مساحات وجد فيها معنى جديدًا للإنجاز.
ولا يتوقّف الأمر هنا. ألعاب الفيديو، السينما، ومجالات إبداعية أخرى، يذكرها أديسانيا دون مبالغة، كاحتمالات واقعية لا كهروب من القفص. وكأنه يقول، بهدوء: القتال كان مرحلة، لا كل الحياة.
ومع ذلك، لم يُسدل الستار بعد. نزال جو بايفر ليس مجرد عودة عادية، بل اختبار رمزي: هل ما زال بإمكان أديسانيا إعادة ضبط المسار؟ أم أن الجسد والعقل يطالبان بختام مختلف؟ هذا القتال قد لا يحدّد مسيرته بالكامل، لكنه بالتأكيد سيعطي نبرة الفصل الأخير.
في العمق، قصة إسرائيل أديسانيا اليوم ليست عن خسائر وانتصارات، بل عن نضج نادر في رياضة تكره الاعتراف بالنهاية. هو لا يهرب من الزمن، ولا يتحدّاه، بل ينظر إليه مباشرة. وفي عالم القتال، قد تكون هذه الشجاعة هي أصعب نزال يخوضه المقاتل في مسيرته كلها.