محاكمة مصطفى لخصم… بين إيقاع القضاء وتصاعد “حرب السرديات” في تدبير المال المحلي

0
38

في تطور يعكس تعقيد المسار أكثر مما يعكس بساطته، دخلت قضية مصطفى لخصم مرحلة جديدة عنوانها التأجيل، بعد أن قررت المحكمة الابتدائية بصفرو إرجاء النظر في الملف إلى 19 ماي بطلب من هيئة الدفاع. غير أن هذا التأجيل، في ظاهره إجراء مسطري عادي، يخفي في عمقه تحولات متسارعة في طبيعة القضية، التي لم تعد مجرد متابعة جنحية، بل تحولت إلى ساحة مواجهة بين روايات متناقضة حول الحقيقة والمسؤولية.

الملف، الذي يُتابَع فيه لخصم رفقة ثلاثة متهمين، يتمحور حول شبهات تبديد أموال عمومية وتزوير وثائق إدارية، مع تركيز خاص على ملف “الأعوان العرضيين” أو ما بات يُعرف شعبياً بـ“أعوان الأشباح”. وهي النقطة التي تعيد النقاش إلى جوهر إشكالية الحكامة المحلية: كيف يمكن أن تمر مثل هذه الاختلالات—إن ثبتت—داخل منظومة يفترض أنها خاضعة لآليات المراقبة والتدقيق؟

غير أن الجديد في مسار القضية لا يكمن فقط في تفاصيل الاتهامات، بل في التحول الواضح في خطاب المعني بالأمر. فتصريحات لخصم الأخيرة، التي عبّر فيها صراحة عن “ندمه لدخول السياسة”، تكشف عن انتقال من موقع الدفاع القانوني الصرف إلى بناء سردية سياسية موازية، تُلمّح إلى وجود ضغوط وصراعات داخلية. هذا التحول يعكس إدراكاً بأن المعركة لم تعد تُخاض فقط داخل قاعة المحكمة، بل أيضاً في فضاء الرأي العام.

في المقابل، يظل المسار القضائي محكوماً بمنطق الزمن الإجرائي، حيث يتيح التأجيل فسحة لإعادة ترتيب الدفاع، لكنه في الآن ذاته يمدد حالة الغموض، ويؤجل الحسم في قضية باتت تمسّ بشكل مباشر صورة تدبير المال العام على المستوى المحلي. وهنا تحديداً تتقاطع أزمنة مختلفة: زمن القضاء البطيء بطبيعته، وزمن الإعلام السريع، وزمن السياسة المتوتر.

الأكثر دلالة أن القضية تعيد إحياء نقاش سابق حول “العمال العرضيين” داخل الجماعات الترابية، ليس كحالة معزولة، بل كمؤشر على اختلالات بنيوية محتملة في تدبير الموارد البشرية والمالية. فحين يتحول هذا الملف إلى محور اتهام قضائي، فإن الأمر يتجاوز الأشخاص ليطرح سؤال المنظومة: هل نحن أمام خلل فردي أم نمط تدبير متكرر؟

وفي خلفية هذا المشهد، تتسع دائرة التأثير لتشمل المواطن، الذي يبقى المتضرر الأول من أي اختلال في صرف المال العام، سواء عبر تراجع جودة الخدمات أو عبر تعطيل المشاريع التنموية. وهنا تكتسب القضية بعدها المجتمعي، حيث تتحول من ملف قضائي إلى اختبار فعلي لمصداقية مؤسسات الرقابة والمحاسبة.

وبين تأجيل الجلسات وتصاعد التصريحات، يبدو أن ملف مصطفى لخصم يتجه نحو مزيد من التعقيد، لا من حيث الوقائع فقط، بل من حيث دلالاته أيضاً. فالقضية لم تعد تُقاس فقط بنتائجها القضائية المرتقبة، بل بقدرتها على كشف عمق التداخل بين القانون والسياسة في تدبير الشأن المحلي.

في النهاية، يبقى السؤال معلقاً: هل ستقود هذه المحاكمة إلى لحظة فرز حقيقية تعيد ترتيب العلاقة بين المسؤولية والمساءلة، أم أنها ستذوب في ضجيج السرديات المتصارعة؟ الجواب، كما يبدو، لن تصنعه المحكمة وحدها، بل أيضاً الطريقة التي سيُعاد بها بناء الثقة خارجها.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا